مركز التحقيقات والدراسات العلمية في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية
339
موسوعه أصول الفقه المقارن
بشهادة أصل ، إلّاأ نّه يجري مجرى وضع الضروريات ، فلا بُعد في أن يؤدي إليه اجتهاد مجتهد ، وإن لم يشهد الشرع بالرأي فهو كالاستحسان ، فإن اعتضد بأصل فذاك قياس . وأمّا الواقع في رتبة الضرورات ، فلا بعد في أن يؤدي اليه اجتهاد مجتهد وإن لم يشهد له أصل معيّن ، ومَثَّل له بالكفار إذا تترسوا بجماعة من أسارى المسلمين ، بحيث لو كفوا عنهم غلبوا على دار الإسلام وقتلوا الاسرى أيضاً ، ولو رموهم لقتلوا الترس وهو قتل مسلم معصوم ، وهذا لا عهد به في الشرع ، فيجوز أن يقال : إنّ هذا الأسير مقتول بكلّ حال ، فحفظ جميع المسلمين أقرب إلى مقصود الشرع ، فهذا التفات إلى مصلحة علم بالضرورة كونها مقصودة للشرع لا بدليل واحد بل بأدلة خارجة عن الحصر ، لكن تحصيل هذا المقصود بقتل من لم يذنب لم يشهد له أصل معيّن . فهذا مثال مصلحة غير مأخوذة بطريق القياس على أصل معيّن ، وانقدح اعتبارها باعتبار ثلاثة أوصاف : كونها ضرورية ، وقطعية ، وكلّية « 1 » . واتضح أنّ مراده بالضرورية أن تكون من الضرورات الخمس ، وبالكلّية أن تكون الفائدة تعمّ جميع المسلمين ، وبالقطعية أن لا تكون ظنية كما لو تترس الكفار في قلعة بمسلم ولم نقطع بظفرنا بها ، فإنّها ليست قطعية بل ظنية . وعلى هذا القول ملاحظات ، فقيل هو بهذه القيود احتكام من قائله وتصوير بما لا يمكن عادةً ولا شرعاً ، وأنّ حاصله ردّ الاستدلال بها لتضييقه في قبولها باشتراط ما لا يتصور وجوده « 2 » . وقيل : إنّها بهذه القيود - التي ذكرها الغزالي - لا ينبغي أن يختلف في اعتبارها « 3 » . وممّا يدلّ على رفض الغزالي للاستصلاح هو أنّه في مطاوي كلامه صرّح أكثر من مرّة بعدم حجّيته وعدّه من الأصول الموهومة ، وأنّ من ظن أنّه أصل فقد أخطأ ؛ لأنّا رددنا المصلحة إلى حفظ مقاصد الشرع ، ومقاصد الشرع تعرف بالكتاب والسنّة والإجماع ، فكلّ مصلحة لا ترجع إلى حفظ مقصود مهم من الكتاب والسنّة والإجماع ، وكانت من المصالح الغريبة التي لاتلائم تصرفات الشرع فهي باطلة مطروحة ، ومن صار إليها فقد شرّع ، كما أنّ من استحسن فقد شرّع ، وكل مصلحة رجعت إلى حفظ مقصود شرعي علم كونه بالكتاب والسنّة والإجماع فليس خارجاً من هذه الأصول ، لكنه لايسمى قياساً بل مصلحة مرسلة ؛ إذ القياس أصل معيّن ، وكون هذه المعاني مقصودة عرفت لا بدليل واحد بل بأدلة كثيرة لا حصر لها من الكتاب والسنّة وقرائن الأحوال وتفاريق الأمارات تسمى لذلك مصلحة مرسلة ، وإذا فسّرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع ، فلا وجه للخلاف في اتّباعها ، بل يجب القطع بكونها حجّة « 4 » . ومن كلّ ما تقدم في التعاريف والأقوال ، يتضح أنّ المصلحة إذا كانت راجعة إلى أصل كلّي أو جزئي فهي حجّة وراجعة لذلك الأصل ، وإن دلّ دليل على اعتبارها من الشرع أو من العقل بشكل قطعي وإدراك كامل ؛ فهي حجّة أيضاً وراجعة إلى حكم العقل ، وإن لم تكن كذلك كأن لم تستند إلى أصل وكانت ظنية فهي محلّ النزاع . ( مصلحة ، المصالح المرسلة )
--> ( 1 ) . المستصفى 1 : 259 - 260 . ( 2 ) . انظر : البحر المحيط 6 : 80 ، إرشاد الفحول 2 : 272 . ( 3 ) . انظر : إرشاد الفحول 2 : 272 . ( 4 ) . انظر : المستصفى 1 : 264 - 265 .